القرطبي
44
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أسعد وأكثر حظا فيها من بعض ، وذكر حديث ابن شهاب عن انس ان عثمان قال لهم حين أمرهم ان يكتبوا المصاحف : ما اختلفتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش ، فإنه نزل بلغتهم . ذكره البخاري وذكر حديث ابن عباس قال : نزل القران بلغة الكعبين ، كعب قريش وكعب خزاعة . قيل : وكيف ذلك ؟ قال : لأن الدار واحدة . قال أبو عبيد : يعني ان خزاعة جيران قريش فأخذوا بلغتهم . قال القاضي ابن الطيب رضي الله عنه : معنى قول عثمان نزل بلسان قريش ، يريد معظمه وأكثره ، ولم تقم دلالة قاطعة على أن القران بأسره منزل بلغة قريش فقط ، إذ فيه كلمات وحروف هي خلاف لغة قريش ، وقد قال الله تعالى : " انا جعلناه قرانا عربيا " ( 1 ) ولم يقل قرشيا ، هذا يدل على أنه منزل بجميع لسان العرب ، وليس لاحد ان يقول : انه أراد قريشا من العرب دون غيرها ، كما أنه ليس له ان يقول : أراد لغة عدنان دون قحطان ، أو ربيعة دون مضر ، لان اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولا واحدا . وقال ابن عبد البر : قول من قال إن القران نزل بلغة قريش معناه عندي في الأغلب والله أعلم ، لان غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات من تحقيق الهمزات ونحوها ، وقريش لا تهمز . وقال ابن عطية : معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم " انزل القران على سبعة أحرف " اي فيه عبارة سبع قبائل بلغة جملتها نزل القران ، فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش ، ومرة بعبارة هذيل ، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز في اللفظ ، الا ترى ان " فطر " معناه عند غير قريش : ابتدأ ( خلق الشئ وعمله ) ( 2 ) فجاءت في القران فلم تتجه لابن عباس ، حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر فقال أحدهما : انا فطرتها ، قال ابن عباس : ففهمت حينئذ موضع قوله تعالى " فاطر السماوات والأرض " . وقال أيضا : ما كنت أدري معنى حينئذ موضع قوله تعالى " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ( 3 ) حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها : " تعال أفاتحك ، اي أحاكمك . وكذلك قال عمر بن الخطاب وكان لا يفهم معنى قوله تعالى " أو يأخذهم على تخوف " ( 4 ) اي على تنقص لهم . وكذلك اتفق لقطبة بن مالك إذ
--> ( 1 ) آية 3 سورة الزخرف . ( 2 ) زيادة عن ابن عطية . ( 3 ) آية 89 سورة الأعراف . ( 4 ) آية 47 سورة النحل .